الرئيسية » قالوا عن الحوت » الحوت ما قبل الربيع السوداني
ربيع الحب والحوت

 

 

الحوت ما قبل الربيع السوداني

تساءل كثيرون عن تخلف الشباب السوداني عن انتفاضات الربيع العربي. وأخرج رحيل فنان الشباب محمود عبد العزير (الحوت) في يناير/كانون الثاني الماضي أحداثيات عن هذا الشباب، تلقي الضوء على الظرف السياسي والاجتماعي الملموس الذي ربما حال دون ما توقعه الناس منهم، إتباعاً لا إبداعاً.

جلل حزن استثنائي السودان برحيل الحوت. بكاه جمهوره الغزير بعد أن عقدوا ختمات القرآن له طوال أيام مرضه القصيرة. وكانوا أضربوا عن احتفالات رأس السنة للعام المنصرم، واحتشدوا حول مستوصف رويال كير بالخرطوم، حيث لزم السرير ضارعين لله أن يعافيه. وتحسبت السلطات لموكب تشييعه، فتعاملت مع جثته العائدة للوطن كسر أمني. ومع ذلك اقتحم محبو الحوت مطار الخرطوم، واحتلوا المدرج حتى أخلوهم بالغاز المسيل للدموع. وتجمهروا عند بيته في حي المزاد بالخرطوم بحري بعد دفنه، مكبرين موحدين”لا إلا إله إلا الله” “. وظلوا يقرؤون له الإخلاص جماعة. وعلقوا على ستراتهم “سكت الرباب” التي هي من أغاني الفقيد. وقيل إن تشييعه مما يكون لقديس أو شهيد.

فجع السودان في بحر عام برحيل رموز غراء في الإبداع والسياسة: الفنان محمد وردي، محمد إبراهيم نقد، الزعيم الشيوعي المحبوب، والشاعر حميد نجم المعلقات الشعبية المعارضة، والعالم الورع محمد سيد حاج مصطفى. ولكن فجيعته في الحوت لم تكن أوجع من فقد الآخرين، بل كانت مغايرة. فمن سبقوه إلى الدار الآخرة رموز مركزية في الثقافة، في حين كان محمود رمزاً لثقافة صغرى، اعتزلت تلك الثقافة الكبرى، ويسميها علماء الاجتماع (subculture) “ثقافة فرعية”

أو “ثانوية”.

وتنامت هذه الثقافة بين معجبي محمود من الشباب منذ ظهوره على ساحة الغناء في بداية التسعينيات من القرن الماضي. وصار اسمها “الحواتة” تطلق على معجبيه، مستمدة من تحريف لاسم دلع محمود وهو “حودة”  ثم “حوتة” فـ”الحوت”. وله أسماء أخرى في صعوبة الإحاطة به مثل “الجان” و”الأسطورة”.

الحوت ابن المدينة السودانية. ولد في حي المزاد بالخرطوم بحري -الضلع الثالث للخرطوم العاصمة- سنة 1967 بعد ثلاثة أعوام من قيام ثورة أكتوبر 1964. وهي الربيع السوداني الذي كشف عن بأس المدينة، التي أسقطت بقوة الشعب نظاماً ديكتاتورياً.

وكان غناء محمد وردي للثورة أكثر ما تبقى منها مما سمعه الحوت عنها، لأن رواة تاريخها من النظم المستبدة المتعاقبة بخسوها قدرها. وصار المغني بتلك الثورة حادياً ومؤرخاً وبطلاً. وليس في حياة الحوت ظل من الريف. فقد دخل الروضة بالحي حين يبدأ الريف بالخلوة القرآنية. وليس التعليم المدرسي أقوى نقاطه مع ذلك. فلا يذكر أحد أين تلقى تعليمه وختمه، وإن ذكروا إجمالاً غشيانه مدرسة الحرية الأولية، ثم مدرسة الإنجلية التي هي مدرسة وسطى في أحسن الأحوال. وتنامت موهبته في أوعية الدولة للأطفال والشباب، لا في حلقات الصوفية أو طوائفها. فبدأ بركن الأطفال بالتلفزيون ممثلاً ثم كشافا. وغنى -على صغره ككشاف- أمام الرئيس النميري فاستحسن الرئيس أداءه وحضنه. وتعهد قدراته مركز شباب الخرطوم بحري، ثم قصر الشباب والأطفال للتعليم الإضافي في الموسيقي والمسرح. ونضج فنه في فرقة الشباب بمدينة الأبيض بغرب السودان. وخرج للجمهور من مسارح هذه المواقع، وجوقاتها الموسيقية.

كانت الخرطوم المدينة بعد ثورة أكتوبر 1964 غيرها قبلها. فقد تكاثرت الهجرة إليها من “المصوتين بأقدامهم”، ممن نسيتهم الدولة فجاؤوا إلى سدتها بالحصار. وصارت العاصمة في الثمانينيات المدينة المتفاقمة ( megacity) من فرط مضاعفة سكانها وتوسعها. واختلطت الهويات فيها والأعراق والمذاهب، اختلاطاً حيّر من أراد وصف الحوت في مرثية آخى فيها بين النقائض التي احتواها المغني برحابة، حتى قال: ويمكن كوز (أخ مسلم) في شكل شيوعي, وهذه الخلطة التي لانت فيها الأطراف العصيبة، وتحللت، ما تزال خافية على صفوة السياسة. فاشمأزت من زحام الريف، وظلت تسعى للخلاص منه بقوانين النظام العام المتعاقبة للقبض على شباب المهاجرين تحت طائلة التشرد، وردهم إلى أهلهم.

الحوت ابن ما سماه الدكتور عبده ملقيم سيمون “انبعاج المدينة” أي التي اختلط فيها الناس اختلاطاً عظيماً، انبهمت به الحدود العرقية والقبلية واللغوية. فكتب كتاباً عن هجنة أحياء أطراف الخرطوم، ووصفها بـ”الانحطاط” لتوحشها طالما اعتزلتها الصفوة. فقال إن عوالمها سيريالية-فوق واقعية، تصنع قواعد حياتها المبتكرة خلال اللعب. فهي في حالة كرنفالية هازئة بالصفاء الثقافي العرقي. وهي ذاتها المدينة التي فرض شبابها “إزجاء الفراغ” على الدولة الشرعانية المتجهمة. فتجمهروا على ضفاف النيل الليل بطوله أُسراً وعشاقاً “ذراع في ذراع”، كما قال أحمد عبد المعطي حجازي. ولعنهم الأئمة من فوق المنابر لاحتفالهم بالفالنتاين ورأس السنة.

نقل الحوت المدينة، التي كانت تخترع صور إزجاء فراغها، من “الحفلة” إلى “الكونسرت” في صورته الغربية. كان أقصى طرب المدينة التقليدية حفلاً جمهوره منصت يستنفد المغني فيصفق “أحسنت”. ومتى بلغ الذرى بالطرب أحدهم أو أكثر ساروا إلى حيث المغني و”طرقعوا” فوقه بأصابعهم مما نسميه “البِشير”. وأول ما ظهرت مبادئ الكونسرت عند “عقد الجلاد”، وهي فرقة ظهرت في منتصف الثمانينيات أميل لشباب الصفوة. فترى وجد جمهورها العجيب و”نهبهم” الأغنية من المغني و”تخصيصها”.  فغني كل شاب نص الأغنية مع المغني سطراً سطراً إما لنفسه أو لشلته. ولم يروا بدعاً في الرقص في مجموعات تنعقد وتنفض، في طلاقة مبتكرة للجسد بين الذكور خاصة. وكان الجيل من قبلهم يراقب الناس في  حركات الجسد وسكناته.

اكتملت مقومات الكونسرت عند الحوت. فصار هو كله موضوعاً للتقليد في لبسه وتسريحة شعره وطريقة حلاقة ذقنه. واخترع مع معجبيه تحية للكونسرت يضع فيها المعجبون الساعد على الساعد، بوضع ناهض إلى أعلى مع قبض الأصابع ما عدا السبابة. وفي الأثناء يرقص الجسد يميناً ويساراً. بل كنت ترى اندفاع المعجبين حتى حافة مسرح الحفل، يعتليه من شاء منهم أطفالاً وعارضين بالسيوف، وثلة من المعوقين بقيت معه طوال أغنية ما، يبادلها الأحضان. ومازج البكاء فرط الغناء والوجد. وبلغ الحوت يوماً هذا الموضع من أغنية له:
كأني مديون للعذاب
وأدفع سنين عمري دين
ففاضت دموع المعجبين.

ترعرع الجيل في كنف الحوت معتزلاً الحكومة والمعارضة. فالحكومة أثقلت عليه بمشروعها الحضاري الشرعي السلبي، أو العدائي، تجاه الأغنية متنفس الشباب الرحيب. ففي التسعينيات خاصة قررت الحكومة إلغاء ذاكرة الأغنية والطرب كما عرفناهما. واستدركت “مسنسرة” منه كل ذكر لكأس خمر، أو تبادل قبل وغيرها. وأرادت أن تسود بدلاً عن ذلك الجلالات الجهادية مثل “”الليل ولى لن يعود وجاء دورك يا صباح .. وسفينة الإنقاذ سارت لا تبالي بالرياح”. وربما كان ذلك المناخ الكاره للغناء هو الذي هيأ لمن وصِف باختلال العقل لاحقاً اقتحام نقابة المهن الموسيقية وقتل الفنان خوجلي عثمان. وأصبح الفقيد شهيداً للهوس الديني عند معارضي الإنقاذ خاصة.

وتساوق ذلك الجو الإسبرطي مع جريرتين للحكومة بحق الشباب. فقد توسعت في التعليم العالي كماً لا نوعاً صادر به من الطلاب امتياز مجانية التعليم وخدمة الداخليات. أما الجريرة الثانية، فهي تجييش الطلاب وقوداً لحرب الجنوب في معسكرات الدفاع الشعبي، حتى صارت الخدمة الإلزامية للفداء مطلوبة من الجامعات. ومن مآسي تلك الأيام البارزة مقتلة معسكر لتلك الخدمة بالعيلفون شرقي الخرطوم. فتمرد الطلاب في 1998 وتسللوا من المعسكر، ولاحقهم الحرس في مراكب أرادوا بها بلوغ الشط الآخر من النهر. فَفَزِعوا وغرق منهم 70 شاباً.

أما صفوة المعارضة الرسمية للإنقاذ، فاعتزلت هؤلاء الشباب بوجهين. بالوجه الأول تعذر عليها نسبتهم إليها بعد أن جردتهم الإنقاذ من ميسمهم (التعليم النوعي المجاني) فصاروا غرباء (إن لم نقل سِفاحيون) في نظر صفوة المعارضة. فأخذوا يحاسبونهم بجريرة الإنقاذ، وهي تضعضع التعليم.

أما أكبر الحيطان التي حجبت الجيل عن صفوة المعارضة، فهو ما اتفق للأخيرين بتسميته بـ”الزمن الجميل”. وهو زمانهم في الستينيات الذي توجته ثور أكتوبر  1964. وهذا عرض من أعراض النوستالجيا، بدا به السودان كمن استدبر مستقبله. ومتى اهتمت بهم المعارضة رأت فيهم -في أحسن الأحوال- ضحية للنظام، إن لم يكونوا عوناً له. فبعد مخاشنة للحوت مع الدولة رأى الدكتور حيدر إبراهيم فيه “هدية السماء للنظام الإنقاذي الشمولي-الثيوقراطي” بتأدية وظيفتين في عمليتها لتسطيح الثقافة: “واحدة بفنه والثانية بشخصه”.

ويريد بالأخيرة تلك الحادثة التي جلدته فيها شرطة النظام العام حداً لتعاطي المسكر. فالحوت عند حيدر أيقونة للثقافة الشمولية التي تقطع الأواصر الحية بين الناس. فلم ير في الكونسرت سوى اجتماعات مفرغة من الروح. ولا غلاط أن الحواتة ضحايا للإنقاذ، ولكن غاب عن مثل حيدر أنهم مالكون لزمامهم (agents)، اجتنبوا النظام سقماً، لائذين بثقافتهم الثانوية، وبولائهم الفطري للأغنية.

عرف الشباب الحوت من شقوق حيطان الصفوة الحاكمة والمعارضة. حدثتني طالبتي عن أخيها الفصيح الذي عاد من معسكر للخدمة الإلزامية منكسر الخاطر كَلِفاً بالحوت. وقال إنهم كانوا ينتهزون كل فرصة للهرب من المعسكر للمدينة القريبة، يغشون مطاعمها لوجبة طيبة من الفول “المصلح” ثم يلحقون تمام المساء. وكانوا يسمون هربهم ذلك بـ”قد السلك” أي اختراق سور المعسكر. ولقي الشاب الأمرين متى انكشف هروبه. وفي مقاهي المدينة سمع الطلاب المتذمرون الحوت، الذي يكبرهم بسنوات قليلة، لأول مرة. وافتتنوا بمن وصف حياته بـ”عمري المعبد بالغناء”. ودعاهم إلى التفاؤل برغم الإنقاذ:
أبقى الصمود ما تبقى خوف (ويراوح ويقول “ما تبقى زيف”)
ابقى احتمال نبض الحروف
أبقى المباهج والضريح
خلينا في الض(ظ)ل نستريح
نتغنى باللحن الصريح
السمحة جايا وما في خوف

فجيعة الحوت لم تكن أوجع من فقد الآخرين، بل كانت مغايرة, فمن سبقوه إلى الدار الآخرة رموز مركزية في الثقافة، في حين كان محمود رمزاً لثقافة صغرى اعتزلت تلك الثقافة الكبرى

اكتملت مقومات الكونسرت عند الحوت. فصار هو كله موضوعاً للتقليد في لبسه وتسريحة شعره وطريقة حلاقة ذقنه, واخترع مع معجبيه تحية خاصة للكونسرت

بقلم : عبد الله على ابراهيم

أستاذ التاريخ الإفريقي والإسلام بجامعة ميزوري

 

 

 

عن al7oot

خريج كلية علوم التقانة قسم علوم حاسوب ومتخصص في تصميم المواقع وادارتها .. من عشاق الراحل الفنان الانسان " محمود عبد العزيز " وكما يحلو لعشاقه ان يسمونه " الحوت " ونسال الله له الرحمة وان يجعله من اصحاب اليمين ولاهله حسن العزاء ولنا الصبر الجميل.

شاهد أيضاً

انهم-يوثقون-له-بلا-مواربة

انهم يوثقون له بلا مواربة من مذكرات حواتي (2)

المكان : نادي الاسكلا السياحي بشارع النيل الزمان : 1996 امسية رمضانية عتقها الحوت بطربه العالي لكن …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *