الرئيسية » ساحة الحواته » سارق الضوء كتابة في مقامية الحوت
سارق الضوء كتابة في مقامية الحوت
سارق الضوء كتابة في مقامية الحوت

 

 

سارق الضوء كتابة في مقامية الحوت

سارق الضوء كتابة في مقامية الحوت

صدر مؤخراً عن دار الكتب العلمية للنشر والتوزيع كتاب للصحفي والكاتب محمد فرح وهبي، بعنوان: (سارق الضوء..حينما ينسل صوت المغني من طين الأرض ومن عمق شقوقها)، يقع الكتاب في (330) صفحة من القطع المتوسط، ويضم بين دفتيه (13) فصلاً، تناولت بشيء من التحليل، ظاهرة محمود عبد العزيز متلمساً طريقه الطويل من ممثل في فرقة الأطفال بالتلفزيون، إلى الفنان الذي أصبح بفضل محبته لجمهوره وفنه، ومحبة جمهوره له، رمزاً ومثالاً، لجيل كامل، حاصره قبح المدينة من كل الجهات، دفارات الكشة والخدمة الإلزامية، محاكم النظام العام الإيجازية، إنهار الجمال، في كل شئ، وإبداله بقبح كالح شاحب، جيل شهد حالة من الموات، حتى صارت المدينة أشبه بمدائن( الزومبيز) أو الموتى الأحياء التي نطالعها في الأفلام الأجنبية، ولم تجد إلا صوت المغني ترياقاً يخرجها من حالة مواتها إلى عمق الحياة وانبساطها، فكان المثال المفقود

عتبات النص
يبدو أن الكاتب اختط لنفسه، موجهات غير معلنة، حتى يخرج الكتاب عن السائد والمألوف في كتابة السيرة، فالكتاب ليس فقط سرد لتجربة محمود في الحياة، وبدأت هذه الموجهات في عتابات النص، (الغلاف، صورة الغلاف، تصميم الغلاف، العنوان، وضع العنوان في الغلاف، المقدمة، التبويب)، الغلاف من تصميم الفنان الشاب (الحسن منتصر)، وفيه يتخذ العنوان الرئيس موقعاً رأسياً من الأعلى إلى الأسفل، (منحازاً ناحية اليسار)، بينما تحتل بقية الغلاف لوحة بورتريه للمغني الراحل من أعمال الفنان (حازم محمد عبد الله) ترنو بحنو ناحية العنوان، أو ناحية القارئ، ولا يمكنك وأنت تنظر إلى غلاف الكتاب أن تغفل تلك النظرة التي توحي بمزيج متناقض من التحدي والبساطة، من الكاريزما الهائلة، والخجل الشديد، وتلك شخصية محمود كما عرفها الناس.
ويدلف الكاتب إلى محاور الكتابة بمدخل سردي طبع الكتاب بمسحة من السرد الخفيف، الذي لا يفسد التوثيق، ولا يخل بالتحليل، واستطاع أن يحزق في التنقل السلس بالكتابة من السرد وخفته إلى التحليل ودسامته، دون أن يجهد القارئ أو يربكه، كما إلتزم الكاتب أيما إلتزام بتحري التوثيق، والإشارة إلى المصادر، وهنا يقول محمد فرحي وهبي في حديث لـ(الجريدة) frown رمز تعبيري استغرقني هذا العمل قرابة العامين من البحث والتنقيب في دار الوثائق، والمقابلات المباشرة مع المعايشين، لتجربة محمود عبد العزيز).

الميلاد والنشأة
في الفصل الأول الذي حمل عنوان (الفخاخ وسيرة المغني)، يتناول الكتابة ميلاد محمود الذي صادف السادس عشر من أكتوبر 1967م، بمستشفى بحري، قررت جدته لأمه نفيسة تسميته باسم محمود تيمناً بالشيخ محمود السنهوري عمها ومربيها، وكان لأمه (ماما فايزة) دوراً في تفتيح زهنه ومسامعه على الغناء فهي كانت تردد أغاني (الفلاتية) بعزوبة صوت حتى عندما تغني كان يدمع الحاضرين، كما أورد أمين محمد طاهر (وهو خال محمود، وهو أيضاً كاتب وشاعر غنائي وعازف على آلة العود) في كتابته ذكرياتي مع الحوت، ويورد الكتاب :(أول أغنية غناها محمود هي من كلماته، وجدها محمود في أحد دفاتره ولحنها، وأداها في احتفال ببحري، وكان محمود وقتها في التاسعة من العمر، أي ما بين عامي 1975م و 1976م، وغنى له فيما بعد أغنية منو القال ليك).
وورد أيضاً أن في إحدى الأمسيات كان خاله الطاهر برفة والدته فائزة عابرين بالقرب من المحلية ببحري، وكان ثمة احتفالاً مدرسياً، سمعا صوت أحد الأطفال يغني، انجذبت فايزة إلى الصوت، فقالت:(ياخ عليك الله الشافع دا ما نحضروا، اسمع بالله الولد دا بغني حلو كيف)، وعقدت الدهشة حينما وجدت أن المغني الطفل لم يكن سوى إبنها محمود، أما هو فعقب انتهاء وصلته تفاجأ بوجود والدته، فردد : ( شوفي يمة المحافظ أداني شنو) وكانت الهدية عبارة عن كراسات صغيرة وكبيرة، وعشرة جنيهات، أهداها له مصطفى الهادي محافظ الخرطوم في حقبة مايو.

نبوءة المغني
في هذا الفصل يورد الكاتب قصة نبوءة محمود، أو قل قصة تحديه لكل ما نصبته المدينة له من فخاخ، كانت تلك النبوءة التي أطلقها لأعضاء فرقة (الفرفور) المسرحية، والتحدي الذي أطلقه محمود في المدى وملخص القصة أن الفرقة كانت في رحلة لتقديم عروض بمدينة كسلا، وكان محمود ممثلاً في الفرقة، يؤدي دور البهلوان في مسرحية (أمي العزيزة)، وكان للفرقة مغني لا يحب المنافسة، وفي إحدى العروض قرر محمود أن يغني، وبعد شد وجذب انتزع محمود حقه في الغناء، وقرر بسرعة غناء (قائد الأسطول)، وهو لم يؤدي أية بروفات، ومع الإنفعال والغضب، تحشرج صوته عندما حاول الصعود مع اللحن الصعب، فقرر الأستاذ المشرف على الفرقة طرده، وأركبه البص النيسان قافلاً بالعودة إلى الخرطوم، ومن عمق خيبته طلق أطلق الفنان تحديه مجلجلاً في المدى (كويس بكرة حتجوا تقيفوا جنب النوادي، وتقولوا للناس الفنان البغني دا كان صاحبنا زمان)، وكانت المفارقة أن (قائد الأسطول) أصبح أحد ألقابه الكثيرة التي يطلقها عليه جمهوره العريض محبة ووفاء، وتتويجاً بإنتصار التحدي.

غياب إثر غياب
في هذا الفصل يطوف الكاتب، بقلمه مستشهداً بالوثائق المبذولة ليرسم للقارئ معالم الظرف التاريخي في فترة التسعينات، وحالة الخواء والموات الجمالي التي حلت بالمدينة، والقبح الكالح الذي اعتور حتى تلفزيونها القومي، فيورد إشارات من قبيل:( التلفزيون القومي يوقف 150 أغنية من البث، خبر ورد في صفحة أبعاد للكاتب موسى السراج، بصحيفة الدار 16 مارس 1997م، أصدر الأستاذ الطيب مصطفى مدير التلفزيون القومي قراراً بعدم بث حوالي (150) أغنية عبر التلفزيون لكبار الفنانين، أمثال عثمان حسين، سيد خليفة، محمد الأمين، حمد الريح، أبو عركي البخيت، صلاح بن البادية وغيرهم، وجاء في القرار أن التلفزيون لن يبث أي نوع من الأغنيات التي تحمل كلماتها القسم لغير الله سبحانه وتعالى، أو تحمل مضامين للخمر والتغزل في العيون مثل أغنيات بدور القلعة، ووحياة ابتسامتك، وحسنك أمر….إلخ).
وأقتبس الكاتب عن البروفسير علي بلدو إستشاري الطب النفسي، وأستاذ الصحة النفسي الآتي: (أجاد محمود فن التعامل مع الإعلام، فكان حاضراً بصورة راتبة، ومشاركاً في العديد من الفعاليات، وبالتالي فان هذا الإرتباط، البصري والسمعي، والتقارب الوجداني، واللغة المشتركة التي نشأت بين الجمهور وكذلك الظهور بأزياء مختلفة وأنماط متجددة من الأداء، كل هذه العناصر عززت من روح الإثارة والتشويق والرغبة الجامحة في التقرب من النجم، وهذا يبرر الإنتشار الكثيف لصوره على المركبات العامة، والمحال التجارية العامة والخاصة، وبأشكال مختلفة). وتوضح الإشارتين السابقتين أنه كيف برز من عمق ذلك القبح المستشري، والموات الجمالي، من يصبح مثالاً ورمزاً للجمال والتحدي، فكانت ظاهرة محمود.

سجن سجن
وهنا يتلمس الكاتب عوالماً أخرى للفنان محمود عبد العزيز، ويطوف عبر الكثير من الحوادث والحكايا، التي وثقها الكاتب عن محمود نفسه، منها تداخلاته مع السياسة، إنضمامه العجيب للحركة الشعبية، لقاءه المثير مع الـ د. قرنق، تشابكاته العريضة مع الطرفين الأساسيين، في اللعبة السياسية في سودان ما بعد نيفاشا، ومحاولات، من هنا وهناك لإستمالة المغني، وبقايا اغنية تردد في فضاء ذاكرته (من ثورة لدولة) تبعثرت بدورها وتناثرت مع بقايا الوطن المنقسم، التي رآها المغني بأم عينيه عند موت الزعيم الراحل.
ويمر التطواف بالخرطوم في 2010م، والأجواء محتدمة بالصراع السياسي، وفي تلك الفترة عاش محمود متناقلاً بين التنازعات العديدة، وكما أورد الكاتب: (مشتتاً بين رفاق الأمس، وبين العشرات الذين يتوافدون عليه، ويعملون وسوسة، وبصوت عال ومسموع،

أو عبر إيحاءات
كما يشير إلى ظهوره المثير للجدل في برنامج أغاني وأغاني وهو ما اعتبره البعض بداية النهاية لمحمود، وشرعت السياط في إلهاب ظهره مجدداً، فكتب من كتب وقال من قال. ومن تلك الكتابات ما خطه يراع الأستاذ حيدر إبراهيم الذي قال سابقاً :(هذا الحزب الحاكم لا مشروع له سوى مناهضة أمريكا وروسيا في الغرب، وجلد محمود عبد العزيز في الداخل). بيد أنه في كتابته التي إستوحاه من كتاب المفكر د. مصطفي حجازي الإنسان المهدور، ووجه فيها سهاماً ملتهبة ضد محمود عبد العزيز، فيقول حيدر إبراهيم : ( يمكن اتخاذ الفنان محمود عبد العزيز رمزاً أو أيقونة للدلالة والإشارة لتجسيد وقائع الشمولية لنفسها في انسان. فمحمود عبد العزيز الذي كان من قبل ريحانة شباب السودان، ظهر في برنامج السر قدور الرمضاني وكأنه طينة البؤس)، ويمضي حيدر إبراهيم في كتابته مواصلاً frown رمز تعبيري لقد تجمع قهر ورعب وذل وقمع وتشويه وحيونة العقدين السابقين في إنسان واحد لأن ممارسات النظام بالصدفة وقعت عليه، فقد سمحت ظروف الخواء الروحي وغياب الفن الملتزم بالإنسان لبروز فن التسلية والفرح القصير العمر، وطرب الحواس الذي يهرش الغرائز وشجعه نظام الوعي الزائف، لأنه يبعد الشباب عن الإحتجاج والمعارضة والسعي نحو التغيير، لذلك غض النظام الطرف عن أن يكون المثل الأعلى للشباب خارقاً كل تابوهات الشريعة).
وهو هنا يجافي الواقع مرة حين يزعم أن النظام غض الطرف عن محمود، ويغفل عمداً عن السياط التي ألهبت ظهره، وعن مقاومة محمود للحرب الضروس التي قادوها ضده بإصراره على أن يكون صوت الجمال الأوحد في زمن البؤس ذاك. ومرة أخرى يستهلالحكم متعمداً حينما يغفل عن مفهوم شباب الظل الذي عبر عنه د. حجازي في ذات كتابه (الإنسان المهدور)، وكيف ولماذا صار محمود ملاذاً لشباب الظل السوداني.

محمد فرح وهبي
صحفي وكاتب، عمل بعدد من الصحف والمحطات الإذاعية، عمل محرراً بصحيفة فنون ومشرفاً على قسم الفنون بصحيفة الأخبار، أشرف على عدد من الصفحات الفنية والثقافية، قدم برنامج وجهة نظر بإذاعة البيت السوداني، بجانب عدد من الأعمال الإذاعية الأخرى (بطعم البرتقال، وجدارية، وحضور مختلف). كما قدم الكاتب لسهرة إذاعية من جزئين حملت إسم فكر وفن، وهي حوار معرفي مع المفكر والمستشرق والمترجم (اشتيفان فايدنر) رئيس تحرير مجلة فكر وفن الألمانية، نشر من أيام بصحيفة (الجريدة)، عمل في الفترة من 2009م إلى 2011م مع آخرين في إدارة المكتب الإعلامي للفنان محمود عبد العزيز.

 

 

 

عن al7oot

خريج كلية علوم التقانة قسم علوم حاسوب ومتخصص في تصميم المواقع وادارتها .. من عشاق الراحل الفنان الانسان " محمود عبد العزيز " وكما يحلو لعشاقه ان يسمونه " الحوت " ونسال الله له الرحمة وان يجعله من اصحاب اليمين ولاهله حسن العزاء ولنا الصبر الجميل.

شاهد أيضاً

نتيجة شهادة الاساس ولاية الخرطوم 2017

نتيجة شهادة الاساس ولاية الخرطوم 2017

نتيجة امتحانات مرحلة الاساس ولاية الخرطوم ولاية الخرطوم نتيجة شهادة الاساس للعام 2017 إعلان نتيجة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *