الرئيسية » قالوا عن الحوت » إحتراق مكتبة الإذاعة السودانية بموت محمود
الحوت ياعجيب

إحتراق مكتبة الإذاعة السودانية بموت محمود

الحوت ياعجيب

ستواجهك صعوبات كثيرة حينما تحاول الكتابة عن تجربة فنان مغني شاب يستحوذ على هذا القدر الهائل من حب الناس مثل محمود عبد العزيز الذي يتمتع بإنتشار واسع بين الجماهير ويحتل مكانة مقدرة في حيز اوساط مختلف القطاعات الشبابية عبر أزمنة مختلفة تراوحت بين جيلي التسعينيات من القرن المنصرم والعقد الأول من القرن الحالى،عاش بنزق وفوضى فنان حقيقى بذل كل طاقته وروحه ليكون هو لا غير، مثله في ذلك مثل الموسيقيين العظام امثال جيمي هيندريكس،ايمي وآين هاوس وما الى ذلك.


أضافة الي خوفي الشديد من الكتابة عن تجربته الفنية من خلال حدث موت (الحوت) الذي يسيطر بكامل جلاله وهيبته الطاغية على أحاديث الساعة وأخر اللحظات، الكل مهووساً بتفاصيله الأساسية والثانوية. وسرادق العزاء لما تزل منصوبة والفراش مسنود والمناحات تطفح فوق اسطح المنابر وصور الحداد تملأ جدارات السايبر ،الندبة والأسى والحزن النبيل هي سيدة الموقف الآن. ولا صوت يعلو فوق صوت الحب الابدي المختوم بتراجيديا الموت البطولى.
لكل ذلك تصبح الكتابة عن هذا الحدث وتداعياتة مغامرة محفوفة بمخاطر الأنزلاقات العاطفية وتوهجات الحنين وغناء كل على ليلاه، ثم البكاء على فراقها في هذا الزمان الآفل ،الذي صرنا نقيس فيه محبتنا لبعضنا البعض ولرموزنا الفنية والفكرية،عبر حراسة المقابر ونفاخر بهم بكثرة المشييعين ،فتحول الجميع الي (نيرون) ننتظر حريق وجثث متكدسة تخلب البابنا كيما نسود الصفحات بالمرثيات والشجو الحزين والأسى النديان.
رغماً عن كل ما تقدم عاليه، سأحاول مغامراً الكتابة عن هذه التجربة أو بالأحرى هذه الظاهرة الفنية المميزة التي لا سبيل لتجاوزها وتناسيها، أن كان ذلك في حياة عرابها او في مماته. ببساطة لا يمكن غض الطرف عنها وتجاوزها في كل الأحوال. سأركز قدر المستطاع على السعي لتفهم طبيعة ظروفها العامة والخاصة وايضاً العناصر المحيطة بها ومن ثم وضعها ما أمكن في الإطر الموضوعية المعرفية الشاملة، كظاهرة جديرة بالتأمل والإعتبار، بعيداً عن هوس الحب وتبريرات العاطفة وسلطانها المتجبر.


سمعت بالفنان محمود عبد العزيز قبل أن أستمع له وهو يغني، من بعض الزملاء والأصدقاء في مجال العمل الموسيقى العام.كوننا موسيقيين مؤسساتيين تركزت إهتمامتنا ومتابعاتنا حول النشاط الموسيقى المرتبط على نحو ما بمؤسسة معهد الموسيقى والمسرح وسهولها الفيضية المترامية الأطراف والمتمددة في مجالات الأنشطة الطلابية الصفوية،عكس حيز النشاط الموسيقى الشعبي لمحمود، المتمركز في النوادي الرياضية الإجتماعية الثقافية في الأحياء الشعبية ومراكز الشباب التي تكتظ بالعازفين الهواة و”الجقلرجية ” كيفما كنا نسميهم من علياء شعورنا بالإمتياز المؤسسي الطبقي ،كوننا اولاد علم وقارئي نوتات وبنعرف هارموني وكاونتربوينت. ولربما أكون قد أستمعت اليه على نحو عابر غير منتبه، في حافلة او برنسه في خطوط المواصلات العامة، في نهاية الثمانينات وبداية التسعينيات من القرن المنصرم. حينما كان الإنتشار الفني لبعض الموسيقيين المغنيين يتم عبر وسيط الكاسيت المسجل يدوياً عبر جهاز الريكورد العادي (الإستريو) فينتج عن ذلك مصنف موسيقى يتميز بالهشاشة و الضعف الفني في النواحي المتعلقة بجودة الصوت ومؤثراته التقنية ، فهو بذلك وبهذه الشروط الفنية المتواضعة سوف لن يلفت الإنتباه لمحتوي المحمول الفني، هذا غير المنبر الذي يبث من خلاله هذا المصنف، أعني المركبات العامة. الي أن جاء ذاك اليوم الذي تعرفت فيه على الفنان محمود عبد العزيز وإستمعت له “وجهالوجه” وهو يغني مباشرةً” لايف” يعني،لا اذكر بالتحديد تأريخ هذا اليوم لكني متأكد انه كان في بداية التسعينات من القرن الماضي وكان ذلك عبر مشاركتي بالغناء في رحلة صيفية ترفيهية مع بعض الإصدقاء والمعارف بأحدى المزارع المنتشرة على شواطئ وجروف النيل الأزرق في حي الجريف الخرطومي العريق، على ما أذكر اليوم كان جمعة والناس مبسوطة من الجو الذي لم يبخل علينا باللطافة والهمبريب ورائحة الشواء الضاني كترابتها تشق السماء السابع ، جاء محمود ذلك الفتى الأسمر النحيل بحافلة صغيرة تحمل جهاز الساوند سيستم والفرقة الموسيقية الكانت مكونة من عازف الكيبورد (هاشم) لا اذكر اسمه الثاني رغم معرفتي الشديدة به ومعه ايضاً شاب نحيل طويل القامة عرفت فيما بعد أن اسمه (أسامة الشيخ) شقيق المغنية المعروفة (عابدة الشيخ) وهو الذي قام بتقديم الفاصل الأول أما الفاصل الثاني فجاء من نصيب الفنانة المغنية (عوضية عز الدين) تلاها محمود عبد العزيز الذي تغني في الغالب بأغاني كانت رائجة في اوساط الشباب آنذاك مثل أغنيتى “أغنيلك واغني معاك ” و”أقول أنساك ” للفنان الهادي حامد ود الجبل وأغنية ” الحب يأم سماح” للفنان يوسف الموصلي او اغنية (طار قلبي) للفنان المخضرم أحمد المصطفى،أكثر شئ لفت إنتباهي فيه و للوهلة الأولى، كان مقارنتي السريعة لحجم الصوت قوي التردد واضح النبرات وحجم جسده الهزيل للغاية، حيث كثير ما يرتبط بالإذهان، قوة الصوت مقارنة مع حجم الجسد، فاذا كان الصوت ضخماً قوياً مجلجلاً فهذا يعني بالضرورة جسداً ضخماً (محمود) قام بتغيير هذه المعادلة الشكلية بالنسبة لى، الشئ الملفت ايضاً كان الإنطوائية الظاهرة في نطراته. وعدم قدرتة على مواجهة الحضور او الجمهور الصغير محدود العدد فتجده دوما معطياً ظهره له وكانه يتحاور فقط مع عازف الكيبورد هاشم ولا يريد الإلتفات للجمهور وكأن لسان حاله كان يردد خلسةُ : اريد خشبة مسرح وجماهير عريضة هذا المكان المسطح شحيح الوجوه لا يناسبني.إنتهت تلك الرحلة بعد أن تعارفنا وتجاذبنا أطراف الحديث السريع ثم إنصرفنا كل بأنطباعاته عن ذلك اليوم.بعد ذلك لم التقية شخصياً الا لماما وبعد فترة قصيرة من هذا اللقاء العجول، بدأ نجم محمود عبد العزيز في الظهور واللمعان في ساحة الغناء الخرطومي وعلى نحو سريع للغاية ، بدأ يحي حفلات الايام المفتوحة التي كانت تنظم عبر الإتحادات والروابط الطلابية في الجامعات والمعاهد العلياء خاصة جامعة القاهرة فرع الخرطوم آنذاك، جامعة النيلين حالياً ،إن كان ذلك تحت مظلات النشاط داخل الحرم الجامعي او في نادي المكتبة القبطية بالخرطوم او في البرندا الخارجية بجانب حوض السباحة بالفندق الكبير .وسرعان ما اصبح يردد الأغاني الشهيرة للفنانين المعروفين في اوساط الثقافة الموسيقية لوسط السودان الشمالى ،خاصة وأن اذاعة أمدرمان والتلفزيون القومي في تلك الفترة الكئيبة، التي اعقبت إنقلاب 30 يونيو الأنقاذى وفي خضم السياسة الإفقارية المعروفة تحت مسمى فترة “التمكين ” التي شملت فيما شملت من تدمير وحجر وحظر كل اوجه الحياة، فطالت علي نحو أكثر تركيزاً الممارسات الثقافية والفنية والفكرية في كل المجالات، تلك السياسة الهمجية الأتبعت من قبل نظام الجبهة الإسلامية القومية الإنقلابية آنذاك، ركزت بنحو جبار على محو الموروث الثقافي الغنائي والغاء الذاكرة الجماهيرية الجمالية والفكرية ، فكأن بداية تاريخ السودان الثقافي والإجتماعي بدأت ببداية تغولهم وأغتصابهم للسلطة السياسية عبر آلية العمل العسكري المسلح ، ومساعدة كل ذلك بمحاولات أحلال موروث آخر مصطنع بديلاً، فجاء أستهدافهم الأول للثقافة ببث الأغاني الجهادية وجلالات الدفاع الشعبي مثل تلك الإغاني التي اضحت مثل دودة تنخر في الآذان لا يمكن تجاهلها او إهمالها، من كثرة التكرار والترديد اليومي على مدار الساعة والدقيقة ،أغاني وأناشيد بروباغندا سياسية مملة مثل أغنية ” شعارنا العالى بيرفع والعالم كلو بيسمع فلنأكل مما نزرع ولنلبس مما نصنع ” وجلالة في “حماك ربنا في سبيل ديننا لا يروعنا الفناء فتولى نصرنا وإهدنا الي السنن”، أو النشيد الإنقلابى “الليل ولى لن يعود وجاء دورك يا صباح ….وسفينة الإنقاذ سارت لا تتبالي بالرياح” وكل شئ لله…كل شئ لله ،وكثف في تلك الفترة الظلامية الحالكة عبر جهازي الإذاعة والتلفزيون، حضور الفنانين الموالين لسلطة الجبهة القومية، مقابل حظر نشر وبث الأغانى للفنانين والمغنيين غير الموالين لها، بل أكثر من هذا قامت وبقرار سياسي فوقي بحجب كل الأغاني التي تحمل نصوصها معاني ومضامين ولو على نحو مجازي لمفاهيم مثل السكر والخمر والقبلة السكرى والعيون المحاربة والشفاه المقاربة ولم تستثنى من ذلك كل تراث اغنية الوسط من جيل الحقيبة وابراهيم الكاشف وكل الأجيال التي اعقبت تلك التجارب والحقب، بأختصار شديد معظم الإغاني المسجلة في مكتبة الإذاعة منذ تأسيسها حتى مجئ إنقلاب الثلاثون من يونيو 1989،أكثر من ذلك تم إستهداف الفنانين والشعراء بأذلالهم وجلدهم في العلن وملاحقتهم بالقتل والتعدي ثم بالإعتقال والتشريد وإنزالهم من على خشبات المسارح في حضرة جماهيرهم ومعجبيهم ،فهاجر منهم من هاجر ومن ظل بالداخل هجر الغناء وآثر الصمت والإعتزال المجيد.ليأتي الفنان محمود في هذه الظروف الدقيقة محاولاً ترديد تلك الإغاني الآثمة والمحظورة عبر ملاقاته للجماهير مباشرة من خلال الحفلات الجماهيرية او في بيوت المناسبات الخاصة من أعراس وسمايات وإحتفالات التخريج الجامعي وما الى ذلك من الأنشطة الإجتماعية التي تستوعب الظاهرة الموسيقية فيها. وبعد ظهور شركات التسجيل والإنتاج الفني مثل شركة حصاد وإستديوهات سودانيزساوند وشركة البدوي للأنتاج الفني، حدثت نقلة نوعية واضحة في سوق أنتاج المصنف الموسيقي الفني البيتمتع بجودة فنية نوعاً ما افضل مما كان عليه الحال من ذي قبل، إضافة لإستعانة محمود بموسيقيين مهرة ومجودين كفرقة النورس الموسيقية التي كان يعزف فيها آنذاك عازفين مميزين أمثال اسماعيل عبد الجبار على آلة الكمان ومحمد كنونو على آلة الأكورديون،عاصم الطيب/كمان،زمبة/باص جيتار، على الطيب/كمان وغيرهم من العازفين المميزين،استفاد محمود عبد العزيز للغاية من هذه الظروف خاصة كما ذكرت بروز هذه الشركات الصاعدة في زمن الصعود الأستثماري الجبار الذي لازم تلك الحقبة الزمانية ومازال ، فأنتج في فترة قصيرة جداً عدد كبير من الأشرطة الكاسيت التي حوت بالأضافة لأغانية الخاصة، تقريباً معظم التراث الغنائى المحظور والمصادر من قبل دولة المؤتمر الوطني،فاصبحت تجربة محمود عبد العزيز بعد توسعها في اتجاه الإنتاج السريع حريصة أكثر على التجويد الموسيقي من توزيع وتأليف وعبر تلك الشركات بدأت الإتفاقات مع موسيقيين معروفين ولديهم اسمائهم في الوسط الموسيقى السوداني مثل الموسيقار الفاتح حسين الذي أنتج معه البوم (سكت الرباب) واعاد معه إنتاج البوم (الغيم).


ما اريد قوله الآن أن هذا التاثير الكبير الذي أحدثة الفنان محمود عبد العزيز في ذاكرة جماهير فن الغناء السوداني في الفترة الأخيرة ،لكيما نفهمة ونتفهمه لابد لنا أن نضع في الإعتبار كل تلك الظروف آنفة الذكر حتى لا نحمل الفتي بحبنا الشديد له، ما لا طاقة له به .وبعودة سريعة لمراجعة تجربة الراحل سنجد محمود تقريباً تغني بأغاني كل الفنانين السودانيين بدأ بجيل الحقيبة ومروراً بالجيل الأوركسترالي الأول المتمثل في تجربة ابراهيم الكاشف ثم الجيل الذي أعقبه ناس أحمد المصطفى، عثمان حسين ، عبد العزيز محمد داؤد ومحمد حسنين ،ابراهيم عوض، محمد وردي،زيدان ابراهيم،محمد ميرغني،شرحبيل احمد،ابراهيم حسين،ثنائي العاصمة،عشة الفلاتية، الخير عثمان،التاج مصطفى،رمضان حسن،رمضان زايد،البلابل،مني الخير،عبد الدافع عثمان،عبد العزيز المبارك،عثمان مصطفي،صلاح مصطفى،خوجلى عثمان،عبد الكريم الكابلى،كمال ترباس،محمود على الحاج،محمد احمد عوض،خضر بشير،صلاح بن البادية،صالح الضئ،صلاح محمد عيسى، يوسف الموصلى،الهادي الجبل،مصطفي سيد أحمد،عبد الله محمد،عبد القادر سالم،نور الجيلاني….وغيرهم كثر لم تسعفني الذاكرة لحصرهم بل حتى أنه تغني بأغاني الأطفال التي كانت تبث عبر برنامج جنة الأطفال أنظر (ماهي دنيتنا الجميلة)، ولو أنا تفحصنا حتى الإغاني الخاصة بالفنان محمود عبد العزيز سوف نجدها جاءت ايضاً متاثرة بهذا الموروث الكبير،وبدرجة كبيرة وواضحة ،غير أن الفنان محمود قد لعب دوراُ مهماً عندما قام بترديد هذه التراث الغنائي المحظور رسمياً وفك اساره وعزلتة القسرية، بشروط فنية جيدة وصوت فتي واداء جذاب استفاد فيه من التقنيات الصوتية الحديثة لنقل الصوت والمصاحبة الموسيقية الأكثر أحترافاً ،فمن سوء حظ بعض الفنانين السودانيين اصحاب التجارب الموسيقية المميزة والرائدة، أن التكنلوجيا أدركتهم بعد أن وهنت أصواتهم وبلغ منهم الكبر عتيا.لذلك ارى أن كثير من معجبى الفنان الراحل محمود عبد العزيز يجدون في موته الآن وفي هذه الظروف بالتحديد ،موت مكتبة الإذاعة السودانية الثانية والجزء المناضل في حفظ الذاكرة السماعية المصادرة بفعل الغول الاسلاموي الذي تغول على كل شئ وقضى على الأخضر واليابس.

بقلم : وليد يوسف

 

 

عن al7oot

خريج كلية علوم التقانة قسم علوم حاسوب ومتخصص في تصميم المواقع وادارتها .. من عشاق الراحل الفنان الانسان " محمود عبد العزيز " وكما يحلو لعشاقه ان يسمونه " الحوت " ونسال الله له الرحمة وان يجعله من اصحاب اليمين ولاهله حسن العزاء ولنا الصبر الجميل.

شاهد أيضاً

انهم-يوثقون-له-بلا-مواربة

انهم يوثقون له بلا مواربة من مذكرات حواتي (2)

المكان : نادي الاسكلا السياحي بشارع النيل الزمان : 1996 امسية رمضانية عتقها الحوت بطربه العالي لكن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*