الرئيسية » ساحة الحواته » رواية رحلة نمله محمود عبد العزيز
رواية رحلة نمله محمود عبد العزيز
رواية رحلة نمله محمود عبد العزيز

رواية رحلة نمله محمود عبد العزيز

الآن فهمت لماذا يبكي الطفل عند ولادته …
تخيل أن ينتزعوك إنتزاعا من قلب الرحم الدافئ ، حيث الأمن والظلام والسكينة وتفتح عينيك لتجد نفسك فجأة راقدا على ظهرك ( عاجزا) يحيط بك الأغراب .. ذلك كان شعوري حين وصلنا إلى الخرطوم في مساء ذلك اليوم البارد من ديسمبر 1999 .. ركبنا مع خالي عبد الرحمن في سيارته البوكس وهو يجلسني جواره ويقود البوكس في شوارع الخرطوم .. كنت في مزاج لا يسمح لي بالكلام مطلقا بينما هو يشير للأماكن ويتكلم على خلفية أفكاري السوداء :
– دي إسمها حديقة القرشي يا علي .. العمارة الكبيرة دي معمل إستاك ودي كلية الطب ..
ثم :
– وده البحر يا علي ووراهو أمدرمان محل أنا ساكن
قالت له أختي الوسطى علياء متحيرة :
– بحر ؟ في بحر في الخرطوم ؟ مش قالو في النيل بس ؟
ضحك خالي مجيبا :
– يا هو زاتو هنا بيقولو عليهو البحر
كنت أنا أنظر عبر نافذة البوكس للمباني والطرقات .. مباني عالية وشوارع واسعة وأسواق كبيرة وكوبري ضخم وحدائق خضراء .. بدت في نظري جميلة ولكن روحي شعرت بالنفور تجاهها .. أحسست إنني لو حملت لها أقل قدر من الإعجاب فهذا يعني خيانتي للرهد ومنى وعثمان ويونس … نعبر الكوبري وأنا ألقي نظرة على النيل من أعلى .. ثعبان فضي كبير يمضي نحو الشمال .. ربما هو الوحيد الذي سأحبه في هذه المدينة .. مدينة أمدرمان كانت تختلف قليلا عن الخرطوم .. مبانيها قديمة وبيوتها عادية ويبدو سكانها مثلنا ..خالي يثرثر والبوكس يشق أمدرمان ومحاسن تسأله :
– لسه البيت بعيد يا خال ؟
– لسه يا حاجة محاسن أصبري
محاسن طبعا تم تسميتها على جدتها – أمه رحمها الله – لهذا يميل إليها خالي كثيرا عكس الوسطى علياء التي سموها ليجدوا فقط حرفا يتناسب مع إسم الطفل الأول عبد الرحمن ليصير النمط هو حرف العين .. سألني :
– مالك ساكت يا علي من ما ركبت البوكس؟
غمغمت أمي بصوت خافت :
– علي كان رافض فكرة إننا نسافر
هز رأسه متفهما وشرع في تسميع الأسطوانة المحفوظة التي صدع بها الكل رأسي : شغل أحسن لأمك – دراسة أفضل لك ولأخواتك – حياة أفضل ألخ ألخ .. ماقيمة الحياة إذا لم تخترها بإرادتك وما قيمتها دون من تحب ؟ ..طبعا لا أحد عنده مزاج لسماع آرائي ولا أنا عندي مزاج لطرحها ، فلندع للأيام تختار لنا ما تشاء .. طال الطريق وبدأ لنا مثل سفر داخل سفر وخالي يقول :
– الإسكان الجديد برة مدينة أمدرمان ، حتنزلو معاي كم يوم لحدي البيت يتنضف وأمور النقليات بتاعة المدارس تتم
كان بيت خالي يقع في أقصى الثورات ، صغيرا عبارة عن نصف بيت به غرفتين وصالة وغرفة خارجية يستعملها كديوان للضيوف .. والحوش تقريبا لا وجود له ويمكنك لو أنصت الإستماع لهمهمة الجيران .. كنت مندهشا لأقصى حد من هذه الحياة التي إختارها وهاجر إليها تاركا منزل الأسرة الكبير في الرهد والذي حوشه وحده يساوي عشرة منازل من حجم منزله .. كنت أفكر بمنطق الطفل الذي لا يفهم أبدا بعض الحماقات التي يرتكبها الكبار … خالي متزوج وله طفلة صغيرة إسمها فائزة – على إسم أمي – عمرها سنتان ، وزوجته رحبت بنا ببشاشة ولكني لاحظت على الفور النظرة التي نظرت لي بها وهي ترى خالي يحملني ويضعني على مقعدي .. نظرة الشفقة الكريهة التي لم أتعود عليها أبدا .. بقية الأيام كانت كابوسا بالنسبة لي .. لا أستطيع النوم بالليل ولا أطيق أصوات السيارات في الطريق وغير مسموح لي بالخروج من المنزل حين يكون خالي غائبا في عمله .. بعد أسبوع تنفست الصعداء ونحن نغادر لمنزلنا بالبوكس من جديد .. طريق طويل وجو حار رغم إننا في الشتاء .. نترك أمدرمان خلفنا ونسلك طريقا غير مسفلت نحو الجبال .. جبال سوداء كئيبة تبدو مثل كائنات كابوسية .. الأرض حجرية يتناثر عليها الحصى وعلى مد البصر لا أشجار .. ومن بعيد بدأ شبح الإسكان يلوح لنا .. قرية أسمنتية من طوب (البلك) نبتت في هذه الصحراء الحجرية .. بيوت ومستشفى وسوق صغير ومدرستان .. ولا أشجار .. أنظر لأمي نظرة طويلة متهمة تتكلم بكل المعاني : هل هذا هو المستقبل المضمون الذي تركنا كل شئ من أجله ؟ هربت مني بنظرها ونزلنا من البوكس لندخل للبيت الذي سيكون ملجأنا في قادم السنوات .. بيت من طوب البلك والطين .. أرضه قاسية وظله غير ودود .. ودعنا خالي ودخلت لغرفتي حيث أشيائي القديمة التي سبقتني .. وضعت قفص الحمامة وغيرت لها محاسن وعاء الماء والحبوب ، وبدأنا حياتنا الجديدة .. وأي حياة ! تم تسجيلي بالمدرسة بالصف السابع مباشرة بعد رفض أمي القاطع أن أعود سنة بإعتباري قادم في منتصف العام .. المدرسة كانت مثل منزلنا .. طوب وطين وعلم .. أستاذة صغار في السن وصتهم أمي قبل أن تغادر لعملها في مدرسة البنات .. ترى هل أخبرتهم إنني كائن حساس وأكره نظرات الشفقة في عيونهم وأكره عيونهم وإسكانهم وعاصمتهم وأريد أن أعود لبيتنا القديم اليوم قبل الغد ؟ .. قطعا لا .. ذهبت وتركتني وحيدا لأواجه أول يوم في مدسة جديدة لا صديق لي فيها ، وبالنسبة للأطفال يبدو الأمر تماما كأول يوم في السجن بالنسبة للكبار .. ولأول مرة في حياتي تصدمني بوضوح كلمة ( كسيح) .. سمعتها تتردد بين التلاميذ بدون حياء وتنهش في داخلي مثل مخالب الوحوش .. الكسيح !! لم يقلها لي أحد من قبل ولم تصور يوما أن أسمعها .. يصير المرء كسيحا حقا في اليوم الذي يظن الناس إنه كذلك .. أعود للبيت كاسف البال لتبدأ رحلة الأيام والشهور المقيتة في الدوران ..وحين فاض بي شوقي إقتلعت ورقة من منتصف كراسة العربي وكتب خطابا لمنى ..
( منى إزيك …كيف أخبارك وأخبار خالتي سعدية وعم إسماعيل ؟ كيف أحوال عثمان ويونس وإيهاب والحلة ؟ وصلنا الخرطوم قبال تلاتة شهور .. قلت ليك قبل كده إنو مافي حتة أجمل من حلتنا ولا في ناس أحسن من ناس حلتنا وإنتي ما صدقتيني وقلتي لي زيك وزي الباقين إنو الخرطوم دي أحسن مكان في العالم .. أي حاجة هنا عكس الحياة العشتها معاكم هناك .. هنا الناس عايشين زي الما عايشين .. المدرسة ما زي مدرستنا .. حوشها أضيق وفااااااضية ما فيها شجر .. كل الحتات هنا ما فيها شجر .. بالليل الجو برد شديد وبالنهار سخانة شديدة .. أمي قالت إنو دي طبيعة المناطق الجبلية كده ولازم نتعود .. أي زول لازم يتعود .. لكن صدقيني أنا مستحيل أتعود .. إنتي أخبارك شنو مع القراية ومع كتب مكتبة السناري ؟ هوووي أحسن تركزي في قرايتك بتاعة المدرسة لأنو الإمتحان من بيجيبو ليك فيهو أدهم صبري .. قولي لعثمان مبروك عليك الأول مقدما وقولي ليونس يجتهد شوية .. سلمي على كل الناس البتعرفيهم وقولي ليهم علي بيسلم عليكم .. أكتبي لي ما تنسي صحبك : علي)
لففت الرسالة وربطها في ساق الحمامة المشتاقة لمغادرة قفصها .. حملتها بحرص وهمست لها :
– ما تنسي ترجعي
وأطلقتها في الفضاء فرفرفت بحبور وأنطلقت .. أغمضت عيني وتمنيت حمامة أكبر تربطني في ساقها وتطير بي .. تى هل ستقدر على حمل المقعد المتحرك معي ؟ .. أعود لغرفتي وأدخل شريطا في المسجل وأزحف للسرير وأرقد مسلما أذني وكياني في حضرة محمود .. كان غزير الإنتاج وقد أصدر في عام 1999 فقط ثلاثة ألبومات أخرها قدم فيها فنان شاب إسمه جمال فرفور غنى معه وجلبت لي علياء الشريط من السوق .. دائما أغانيه تعبر عني .. ينادي شاكيا بدلا عني :

جافيت النوم
زمني الخاين
ما لقيتلو شهود
وظلمك باين
أو يبكي معي وينوح :
زادت في أعماقي الجراح
زاد في حشاي نزف النزيف
أنا يا زمان الإنهزام
صابر ومثابر في الصبر
عايش وفي جواي أمل
وباقي معاي طول العمر
أمشي وأواصل للمسير
وتمشي مع خطاويك القدر

تلك كانت ( الحلم الجميل ) من ألبوم ( ماتشيلي هم ) الرهيب .. حتى عنوانه يصبرني وأنا صابر أحسب الأيام .. أتطلع كل يوم إلى الأفق منتظرا رؤية نقطة بعيدة تكبر لتصير حمامة ، تحمل لي رسالة من مكان بعيد كتبتها يد صغيرة طالما دفعت مقعدي المتحرك .. طال إنتظاري وعادت لي الهموم .. ولكن الحمامة لم تعود

رحلة نملة - 2
رحلة نملة – 2

رواية رحلة نمله محمود عبد العزيز

بقلم / حامد موسى البشير

الحوت | حواته يا محمود ما لينا اي حدود

 

 

عن al7oot

خريج كلية علوم التقانة قسم علوم حاسوب ومتخصص في تصميم المواقع وادارتها .. من عشاق الراحل الفنان الانسان " محمود عبد العزيز " وكما يحلو لعشاقه ان يسمونه " الحوت " ونسال الله له الرحمة وان يجعله من اصحاب اليمين ولاهله حسن العزاء ولنا الصبر الجميل.

شاهد أيضاً

نتيجة شهادة الاساس ولاية الخرطوم 2017

نتيجة شهادة الاساس ولاية الخرطوم 2017

نتيجة امتحانات مرحلة الاساس ولاية الخرطوم ولاية الخرطوم نتيجة شهادة الاساس للعام 2017 إعلان نتيجة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*