الرئيسية » قالوا عن الحوت » شكراً محمود… فلقد عشنا عصراً أنت فيه
شكرا محمود

شكراً محمود… فلقد عشنا عصراً أنت فيه

هبط محمود عبد العزيز على كوكب الغناء السوداني طليقاً برياً ضارياً وعاصفاً بصوته النادر القوي المتفرد، وحنجرته التي يسكنها شعب من الفتنة والسحر والجنوح، وهو يؤالف بين أجيال وطيور ومسادير وقلوب وفلوات وأشجار في هذه البقعة من الكون الصغير المعدة لاختبارات الحياة والعدم.
غناء الحوت هو غناء الحياة بتيهها وسحرها وجاذبيتها؛ هو غناء للحياة بشجنها القارس، وقسوتها الماجنة، ونذالتها المروّضة بالتكرار والعادة، وهو غناء العذابات التي لا تخطئ الدرب والمسالك للدم، والهزائم التي تشبه الإنسان، والمنازل القمرية في حدوس اللحظات حال كونها هاذية في غيبوبة الجنس البشري.
تجربة محمود تجربة كبيرة جديرة بالحياة؛ وجديرة بالاحتفاء، لأنها أخذت من الحياة السودانية شجنها الأسطوري والغريب، ولأنها سدت منافذ كثيرة كان سيعبر من خلالها الغث المطفف باللا أصالة واللا روح والابتذال.
الحوت شهقة هذه البلاد الكبيرة الحزينة ضد القبح والتكرار والملل.
صوت محمود عبد العزيز هو الصوت المأهول بالجِدة والجبال والوحشية وقوة العناصر واللوعة الساحقة.
سيرتكب هذا الفتى النحيل حماقات متعددة وماحقة ستزيّن مسيرة تجربته الخلاقة وسيعثر في الأثناء على نفسه البهية التي حملتها أنفس كثيرة عاشقة ومعجبة، ولن يجد معارضوه مشقة كبيرة في وضع المتاريس أمامه ولكنهم سيصطدمون بقدرته الهائلة على الصمود والاستمرارية، على مجابهة كل هذا وعدم الالتفات إلى عوائهم الجبان والمدهون بالضغائن والقبح.
سيحمله جيل كامل أيقونة ضد العادية والتشابه وسيحتفون به، سيحملونه في قلوبهم الصغيرة الكبيرة المنكسرة والممتلئة بعافية التوق والحياة والجمال والمصادمة، سيجدون فيه البطل المغني كما في الأساطير القديمة وسيقصون آلاف الحكايا عنه، عن اختلافه وعن انبهار العالم به, وهم يعنون بالعالم كل شخص صادف صوته في أي مكان ونبش ذلك الصوت جهازه العصبي بصدمة الطرب والحلاوة الحريفة، وسيكون هو صوتهم ودليلهم في ليل السودان الطويل.
سيكون محمود عبد العزيز هو الشجن الأزلي لبلاد ستترنح دائماً أمام الجديد وتعاديه، واللوعة التي سكنت شرايين المعنى في نسيج الغناء والروح الهائمة في فلوات التطريب والنزوع إلى اللا نهائي.
الحسرات التي قطنت صوت الفتى النحيل ودهنت أسطورة صوته بالشعرية الإلهية ستزيد من سحره، وستجلل تجربته بحزن أصيل وجاذب.
سيذهب محمود بالغناء إلى أمكنة بعيدة في التأويل والجسارة، سيذهب به إلى جوارحه نفسها القابعة في جنوب الروح والمصادفة الرفيعة في فكرة المصائر والنشوة الجغرافية والخصائص الرفيعة لفكرة الحب والتطريب.
لا شيء سيغطي على أسطورة محمود حتى لو كره الكافرون بموهبته وندرة حضوره الملحمي.
(ما بطيق لي غيره أسمع)، كانت لافتة كبيرة رفعها الشباب في آخر حفل لمحمود، لأن محمود هو التعويذة الساحرة لهذا الجيل، ولأنه بلاغة حوارهم مع الشروط الوجودية التي تؤسس لرفاهية فكرة الغناء في شرايينهم المدهونة بنكهة لوعة لا شرطية وشكيمة عبث لانهائي وجمال متدفق.
(ما بطيق لي غيرو أسمع) كانت مانفستو ضد المغاليق الادّعائية لأصوات مشروخة بصدأ التكرار والتقليد والتشابه، كانت رداً على الأصوات التي تحاول استغلال ظهور الأسطورة بشكل مرهق في برنامج تلفزيوني لمصلحة خطابها السياسي الرتيب والباهت المبني على توظيفات سادرة في المغالاة وسوء المقصد الكتابي.
حل محمود عبد العزيز على أرض الغناء السوداني طائراً في شؤون القلب، يتبع نداء شغفه، يكتب بحنجرته الساحرة مدونة الحب والهجر والعاطفة والحلم لشعب كامل من الطلاقة والخسارات يعبر عنه جيل من الحب.
محمود سائر باتجاه اكتمال أسطورته بنحوله البهي وشكيمته القوية، وروحه الهفهافة، وجسارة صوته الذي هزم النظام داخل إحكام سطوته، وسيستعصي على البحاثة المزيفين النزقين المستعجلين المسيئين لأدواتهم غير المجلُوّة، ولأهدافهم القريبة الغريبة، بدوافع تتقشر بمعقولية سطحيتها، وابتذال استخدامها داخل منطق سياقها نفسه وصياغة خطابها المُغرِض.
وسينقش هذا الفتى النحيل ـ المنذور للخلود ـ على جسد الأغنية أوشاماً لن تزول ومنمنمات جميلة وباذخة ستقول إن شباباً أدركوا فرادته وندرته وصدقه ووسامة صوته وهم يرفعون لافتة كبيرة كتب عليها:
(ما بطيق لي غيرو أسمع).
ولن يكون بوسع الفتى النحيل غير تحمل أعباء أسطرته وجمالها ودفع ضريبة اختلافه عن طيب غناء. لن يكون بوسعه سوى تحمل سهام النقد الفتاكة والضارة، لن يكون أمامه سوى أن يكون حائط مبكى الجميع، والذين سيعلقون عليه خيباتهم وخساراتهم، وسيمضي محمود بذات الرهافة والطيش المهاب الأخاذ، وسيهرق البعض جهاته الضالة على درب محمود وهو غير الآبه سوى بشغفه الأزلي بكل بساطة ورحابة معنى الغناء وجلال وجمال حضوره في حياتنا.
جاء محمود من معضلة وجودنا المختلس هنا، جاء من نزف شهوتنا لغناء يناسب اقتدارنا الممزق بين ضراوة واقع نزيه في هجرته نحو أقاصٍ بعيدة في خيال الموت، وسديم أحلام خفيفة نبتكرها قسراً لنعرف كيف نعيش، جاء محمود بصوت عوالم في نشيج الطبيعة وهي المحكومة بجدل غبطتها وضرورة قوانينها العبثية في حقول الشراسة المحتومة.
صوت حودة هو نجاتنا من شراك الدندنات البائسة المكرورة المنزوعة من يأسها.
غناء محمود عبد العزيز هو اندلاع الأرض في سماء المتصور وجنون الطرب
آناء الجنوح المجيّش لزحزحة الغناء عن طوره الماثل في الصورة العامة السائدة.
محمود أعاد للغناء شهوته ورتب شظاياه التي تناثرت على مهل، أعاد للطرب براريه الرحبة بلا ادعاء، والاستماع لمحمود هو الرتبة الأكثر حنكةً من شغب الفانتازيا المحتملة.
حفلات محمود هي الترف اللامحدود في صَدَفة اللحظة وهي السموات الرحيمة ببطش المتعة التي تتذلل إلى طرب هائل ومعتوه، حفلات محمود هي الحياة في نزعتها الطائشة الغفورة، وهي زرقة الجهات ماثلةً في الأقواس، ورهينة الحواس التي تنمو في الدم حينذاك.
الظلمة التي تنبت في قلوب البعض وتجعلهم يحملون معولاً فضفاضاً باتجاه محمود ليس لها سوى اليأس مأوى ولن تجد سوى البسالة الوحشية غير المروضة لتجربة فنان ما همه إن كانت الأرض مستديرة أم مربعة بقدر ما تهمه نوازع أقداره ومصائره في كثافة غمره بالتطريب حتى أخمص كيانه المغموس في محيط السحر البدئي والاقتفاء الواعي لمسالك ودروب الغناء الغَنَّاءة.
خيال صوت محمود الجامح سيرتاد كل مرةٍ عوالمَ وأكواناً باهظةً لأن خيال صوت محمود هو أيضاً عوالمُ وأكوانٌ باهظة.
سيشعل محمود مسارح كثيرة في هذا المكان وخارجه، وسيكون صوته المعبأ بالأسرار هو الترياق لضجر آدمي مقيم وانهيارات حياتية تسرف في غنجها المهتوك بخنجر السأم الصقيل، سيشعل محمود أرواحنا بالنجاة المهلكة.
أسرار عظيمة تقطن في حنجرة الفتى النحيل والذي سيوزعها كل مرة علينا، سيغمرنا بما نعرف وما لا نعرف بصوته القوي المشجون القاتل والأسطوري، وأسرار كثيرة وكثيفة ستجتاح كل من وهب نفسه ثانية فقط ليسكن صوت الحوت ويمنح نفسه إجازة من أعمال اليوم والإجراءات السقيمة في نزهة مستحيلة ونادرة داخل صوت محمود.

عبأ محمود حياتي بالغناء والحب وحب الغناء والحياة.

 

 

عن al7oot

خريج كلية علوم التقانة قسم علوم حاسوب ومتخصص في تصميم المواقع وادارتها .. من عشاق الراحل الفنان الانسان " محمود عبد العزيز " وكما يحلو لعشاقه ان يسمونه " الحوت " ونسال الله له الرحمة وان يجعله من اصحاب اليمين ولاهله حسن العزاء ولنا الصبر الجميل.

شاهد أيضاً

انهم-يوثقون-له-بلا-مواربة

انهم يوثقون له بلا مواربة من مذكرات حواتي (2)

المكان : نادي الاسكلا السياحي بشارع النيل الزمان : 1996 امسية رمضانية عتقها الحوت بطربه العالي لكن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*